الخميس، 6 مارس 2014

هيَ الدّنيَا كذلِكْ ..



"
هناك /
على ذلك الكرسي الخشبي، المطليّ بلونٍ أبيضَ باهت ، أو بالأحرى بقايا لذلك اللون الذي عفر عليه الزمن وأخفى ملامحه..
كانت هي كعادتها في كل صباح ، تأخذ كتابًا من رفّ مكتبتها الصغيرة ، ولا تنسى كوب القهوة السوداء المرّه خاصتها ..

لتذهب بخطى سريعة نحو ذلك الكرسي المركون في حديقة منزلها الخلفية.
وضعت الكوب بجانبها بعد أن ارتشفت القليل منه متلذذة بطعمه رغم مرارته
فهي بنظرها أن الحياة مرّة كهذه القهوة التي أدمنت رائحتها ، فالحلاوة ليست في هذه الدنيا ؛ بل هناك حيث الخلود ..

بدأت بعدها تقلب صفحات ذلك الكتاب المهترئ الجديد بِـ نظرها .. فهي لم تعهد وجوده بين مجموعة كتبها المختارة بعناية.
كان عجبها من العنوان أكبر من مضمونه ، حيث نُقش عليه " لا نهائية الوجود " !
كانت تقلبه ببطء، وكأنها تعِدّ نفسها لشيءٍ قادمِ مجهول .. مر الوقت برتابة ليست كالمعتاد ؛ فكل التفاصيل حولها خاشعة لِـ صمتها وهي تقرأ !
وصلت لمنتصف الكتاب وهي متشوقة للمتابعة، فقد وجدت به ما يجذب انتباهها وقد يصف حالها المنهك قليلا !
توقفت عند عبارة شدت جوارحها وأسكبت مدامعها.. تذكرت حينها أنه كتابُ أمها الذي دائمًا ما كان يرافقها..
أمها التي ما فترت تقول هذه العبارة على لسانها " كل هذا سَيَمُر ،، لا شيء يبقى على حاله ". رددت في نفسها بحزن : هناك صباحات تبقى مثل نبعٍ خفيٍ في الذاكرة ؛ صعبٌ تجاهلها ، خوفًا من صيرورة النسيان الحتمي !

تابعت بعدها تقلّب الصفحات بلهفة، وإذا بورقة مثنية بعناية تسقط على الأرض من ذلك الكتاب..
ترددت كثيرًا في أخذها ؛ فارتجاف يديها كان يمنعها ويزيد من خوفها.. حدثت نفسها قائلة:
[مابي أرتجف هكذا ! ماهي إلا ورقة مهترئة.. فما الضير من التقاطها وفتحها]

انحنت ببطء وأمسكتها وهي تتنفس الصعداء .. وكأن هنالك صراع بداخلها بين فتحها وإبقائها مغلقة مجهولة الحوايا.
ولكن لفضولها الذي كان يتغلب على خوفها أصرّت الاطلاع على تلك الورقة..
همت بفتحها ، وقرأت أول كلمة [إلى ابنتي العزيزة] وإذا بعينيها اغرورقت دمعًا ، فصار ينسكب بغزارة على خديها الباردين..
كيف لا! وتلك كلمة لم تسمعها منذ تلك الحادثة المريرة ، كيف لا تبكي وذاك خطّ أمها الراحلة الحنونة وهي تناديها ابنتي..

استمرت في القراءة ولازالت الدموع تتقاطر من مقلتيها الجميلتين .. هدوءٌ صاخب عمّ المكان، لا شيء سوى زفرات أنفاسها وشهقاتها المملوءة ألمًا واشتياقًا..
بدأت رياح الذكرى تعصف برفات ذكرياتٍ مضت بقسوة ، أغمضت عينيها بالتياع وغصة خانقة بأنفاسها..
عادت بها الذكرى لذلك اليوم .. يوم فقدت أعزّ ما تملك بحادثٍ تقشعر منه الأبدان رعبًا .. ماتت أمها وهي لا تزال تتنفس هواء هذه الدنيا القاسية..
كم تمنت الموت مرارًا ، وكم ودّت لو أن روحها تتبع أمها بسرعة ؛ لترتاح !
ولكنها أدركت أن الموت لا يريدها الآن ، وكأنه ينفر ويبتعد عنها لتتعلم درسًا لم تجربه بعد ؛ ليجعلها تقاسي لسعة الفقد المؤلمة..
خاطبت روحها بحزن: هل ستصبرين يا روح! أم تجعلين لليأس منفذًا ؟؟
وها هو ذات الإحساس يُعاودها الآن ، ولكن بعد مرور عقد من الزمن..
تنهدت بعمق ثم نظرت بعدها إلى نهاية كلمات أمها المسطورة على تلك الورقة بحنية ، وهي تكرر عبارتها المميزة :
" ابنتي كل هذا سَيَمُر ! لن يبقى شيءٌ على حاله ،، كل شيءٍ فان.. فاصبري وصابري واصطبري فما هذه الدنيا إلا مرجعها للفناء والانتهاء عزيزتي..
فكتبت بعدها من كلام كتاب الله لتختم قولها [وبَشِّر الصابِرين].. لا عليكِ عزيزتي فالله بجانبكِ دائمًا ، سواء أكنتُ معكِ أم لا .."

أعادت رأسها للوراء وهي تزفر كل آهٍ كُبتت بجوفها.. وكل حرقة أحست بها
لتجدد الأمل المدفون بروحها ،، وترطب لسانها بذكر مولاها
[الحمدلله،، كلّه خيرٌ بإذن الله]

غيّم الجوّ، وهبّت نسماتٌ باردة لامست وهدأت من روحها قبل جسدها، بدأت بعدها حبات المطر تتساقط برقةٍ لامتناهية على وجهها.
لتختلط بتلك الدموع الحزينة وتمسحها بلطفٍ عارم.. لتهمس بهدوء يُخالطه ابتسامة بـ الحمدلله

بعدها /

ضمت تلك الرسالة الغالية عميقًا لصدرها، وطفقت تركض بخطى كالأطفال على الأرض المبللة وتخبئها كي لا تتبلل بقطرات المطر المتساقطة.
دخلت إلى منزلها لأول مرة منذ زمن بروحٍ ملؤها شغفٌ وتفاؤل وطموح حدّ الغرق..
لتبتسم بفرح كبير لكل ما حولها وكأنها طفلة وجدت دميتها الضائعة لتدرك أنها كانت مخبّأة خلف الكنبة الصغيرة بقرب الحائط..

~لتردد على لسانها [هي الدنيا كذلك.. كل هذا سَيَـمُر] 

هناك تعليقان (2):

  1. برووودْ..
    فلكِ اعتذاري ي صغيرتي حينَ أُحاول صياغة تعليقٍ هُنّا
    منذُ ميلاده
    عندما أكتُبُ أحرُفا ثمّ أمسحُها سريعا وأقول غدا سأصيغ حروفا أجمل تُناسب مهنئا يهنئ شخصا على ميلاد مدونته -أو بالأحرى ميلاد روحه، ميلاد أكسجينه- فأعود غدا وأعود بعد الغد وما بعده ثمّ أجدني أمسح تعليقي مرةً أخرى متعللة بأن مزاجي ليس رائقا لصياغة شيء مناسب..

    لكن طول فترة التأجيل جعلتني أوقن أنّ جمال حرفُك هو المانع لا غير!
    واسمحي لي هنا أنْ لا أسهب في وصف الجمال
    فالصمت في حرم الجمال جمال!

    ولكِ اعتذاري مرة أخرى ي روح حين أعجزُ عن صياغة عذري
    وحين لا أتقبله أنا عذرا!


    كنتُ هنا منذ الميلاد
    وسأكون هنا حتى أجلي -بإذنه- _^

    ردحذف
    الردود
    1. .
      .
      يَ روح..
      يقيني بِـ وجودكِ بين أحرفي
      يكفيني سعادةة ♥

      وما زادَ المكانَ جمالًا سوى بهاء حضوركِ..
      درر الجمآل من حرفكِ ألجمتني ~
      ي عقيق .. ابقِ بالقربْ
      رعاكِ المولى #

      حذف