الجمعة، 16 أكتوبر 2015

قدرٌ يبوحُ بي ..

.
.

ليتني كنتُ بصرامة الأقدار، أقع رغمًا عن أنفِ الرغبة والجزع.
لطالما كان فشلي الوحيد في معرفة ما إذا كانت حقيقةٌ ما تخصّني، أو لا تعنيني بتاتًا!
كنتُ دائمًا أفشل في البقاء بعيدًا عن الأحداث التي أراها لن تمسّني، ثم في لحظة ما، أجدني منخرطة فيها بعمق. دون قرار!

.
عند نقطة ما، ورقعة على حافة القلب، نكتفي!
نكتفي من وجودنا، وجودهم، أحاديثنا سويًّا، ثرثراتُ ما بعد منتصف الليل، وبوح باهت.
لا يتبقى سوى نحيبِ الصمت، ثم يتبعه انسحابٌ أخير، بـ مسمى الهُدنة مع الأيام الآتية.
بلا سبب ربما. ولكن لماذا لا يخضع لقانون السببية هذا الاكتفاء؟

ما أعلمه أننا حين لا نستسيغ الحضور، يصبح الغياب القرار الأول، الوحيد!
دعني أختلق الأسباب لك، الأعذار. ككل مرة.
ربما لن تُدرك معنى أن تُحادث أحدهم بشغف ثم يقابلك بجمودٍ مطبق. وربما أيضًا لن ترى حُنقي على نفسي حينما سمحتُ لها بالبوح أمام بابك الأخرس مثلك. لن تدرك عفونة الشعور اللاذع بعد كل ذلك!
هل سأنتظر القدر ليُذيقك ذاك الأمر؟ 

أم أكتفي بترديد: "لا، ما يهون عليّ قلبك." !!
كل ما أفعلهُ هو الانسحاب، ببساطة. بالبساطة ذاتها التي جئتك فيها.
لعلّي أغفر لذاتي حين أسقيها الغياب، وتكون أنت كـ غيهبٍ فيها لا أكثر، ظلٌّ يُراود المخيّلة. ثم يروغ ألف بابٍ نحو الضباب.
لكنّي لن أغفر يومًا بلاهة ذاكرتي، في كلّ مرة تتجاوز حدّ الصبر إلى صخبٍ لا يطاق، تقودني للصراخ بصوت خافت أو إلى الغناء لـ تتوقف عن حشر نفسها حتى في أوهن لحظاتي، أنبّهها أنها ستقودني للجنون إن لم توقف سجام الحضور.
لكن.. لعلّها الأماكن في نهاية المطاف، هي صاحبة الذكرى، تلتصقُ بها كـ صبغة تهترئ ببطء، حتى بقاياها توحي أنها كانت هنا يومًا ما. وإن عفرها الزمن بسالفِ الأيام.

.

ماذا لو استطعت أن أفهم تلميحات جدتي، قناعاتها الغريبة، غضبها حينما ترى حذاء مقلوبًا أو انزعاجها من تصويري للقمر وتحذيري بأنه نور الله ولا يجوز التقاط صور له!
حينما أرى جدتي، أقعد معها، يراودني ذات السؤال دائمًا، ألا تشعر بالوحدة؟ الوحشة!
أراها قد عقدت صداقات وثيقة مع القطط حتى يُهيّأ لها أن تلك الأخرى تفهمها حينما تقول: اذهبي هناك عند الخادمة واطلبي طعامًا لكِ!
لكنّي، رغمًا عني، أصبحتُ أقوم بما تفعل، أحادث ذلك القط، وآمل من عينيه أن يفهم، أو بإشارات يديّ على الأقل. وجدتني أعي شعور جدتي، ورغبتي الكبيرة في أن يفهمني ذاك القط إلى أن يُخيّل إليّ، أنه يفعل.

ليتني أمتلك كـ فرحة جدّتي حينما يخبرها أبي أن "الوادي نزَل بسبب الأمطار." ، تفرح، تصلَّ على النبيّ، تدعو بحبّ كثيرًا، تقول له بلهفة: خّذني إليه، أريد أن أدخل قدماي به. تجعلني أعايش فرحتها تلك، ضحكتها. كيف أنني أرى الحياة فيها!
.

أعودُ إلى حقيقة لا زِلت أكررها مرارًا حتى تستكين أمامي وتتوقف عن الارتجاج، أنّ الحياة ستقوم على أنقاضك إن لم تُفلح في عبورها كما يجب.
لا يكفي أن تعتاد ما حولك وتدّعي اللامبالاة. ألا يبدو لك الاعتياد مُخيفًا كما أجده !
أن تموت الدهشة في لحظاتك وكأنّها فارغة كـ ثرثرة عاملاتٍ في المطبخ نهارًا، لا تحمل معنىً سوى إجهادٍ وتفريغٍ لأنفاس مستهلكة.
دعني أخبرك أمرًا، لطالما تساءلت كيف أغفر لـ نفسي سوءها!
ولا أجد سوى الاغتسال العنيف من البشر حلًّا أخيرًا.
كأن أبدأ بمحادثة الجمادات حولي، التمسّك بها

أن أكون وفيّة إلى حد بعيد يجعلني أفقد غيابها.
ثم أعود إلى ذكرى دميتي الخشبية، ذات الشعر الصوفيّ الأبيض

أو إلى نبتة صغيرة أحببتها، فاقتلعتها أمي لأنها أفسدت شكل حديقتها.
..
آمن معي، مُجددًا

أن الشعور العميق بداخلك، ما تراه عافية أيامك وفرحَ لحظاتك، سيكون سبب اختناقك، بؤسك، غيابك.
وإني آسَف على ذلك. آسِفة جدًا على تناقض مزدوج سيقتلك يومًا ! ..




.
.
هُنا.. بعد غيابِ آبْ وأيلول
لكني حاضرةٌ في الغياب
كـ كُل الحكايا هُنا .. !