الأربعاء، 27 أغسطس 2014

حگاويْ رِيف .. 2

.
.

في منزلنا بالريف ، كانَت غرفتي بالطابِق الأخير .. الغرفة الوَحيدة هناك !
سكنتُها طويلًا قبل خمسِ سنين ..

قرار راودني فجأة ، بأن أصعد إليها بعد أن أصبحَ شبحي يسكنها فقط
وبعض أوراقٍ دسستُها عبثًا ، ومكتبتي المليئة بـ ذكرياتٍ عتيقة تراكَم عليها الغُبار ..
وتلاعبَ نسيجُ العنكبوتِ ببراعَةة علَى رفوفها ذات اللونِ النيلي !
وقفتُ أمامها ..
تأملتُ تلك التفاصيل والأغراض الموضوعَة عليها بـ تنظيمٍ خالٍ من النظام الأنيقْ !
أودّ لو أفرّغها من كُل تلك الأشياء التي تحملُ نفحة الماضي ، الذي كنتُ فيه گ الحمقاء لا تدري أينَ وضعتها الأقدارُ كي تفعَل ما يجب عليها دونَ تمرّد وبرضوخٍ لِـ ما سـ يرفعها مقامًا أعلَى !
ولكنّي ما فعلتُ سوى ما تناقله المُحيط ، وكأنني كنت أُصْدِق نبوءةً كانت تؤمن بها العجائز الغابرات !
تنهّدتُ بـ عمق ..
أريدُ أن أحسمَ أمر العوالق في صدريْ وأمزقها وكأنها لَم تكُن !
مددتُ يدي لـ أفتح الدرجَ العُلويّ في المكتَبة ..
يااه ، مليء هو بِكُل شيء .. !
أطلتُ النظر ، هناكَ صندوق شفاف به قصاصاتٌ مبعثرة ، أحسبها رسائل وأحاديثَ قديمة !
وأسفله مذكرتي الحمراء ، تلك التي كنتُ أسطر فيها بـ لُغة خلقتها بـ نفسي ثمّ رميتُ حروفها الرمزيّة بعد أن مزقتها ؛ خشيَةة أن يُدرك أحدهم ما كتبت !
أو لكي لا أدركها أنا بعد أن تعصف بي رياح النسيانْ ..
لم أجرؤ علَى فتحها بعد رحيلي .. أبدًا !
أعلم أني سـ أكره نفسي والخرافاتِ التي كنتُ أصدقها يومًا !
وقفتُ لحظةة .. هناك ما هوَ مخبّأ خلفَ حقيبة زرقاء مُخرّمة وفارغَةة !
أزحتها بهدوء ..
رسالةة ، من أحدهم .. اختفتْ ملامح الوَجه من مخيّلتي !
أدركتُ بعدها أنها خُزعبلات وأكاذيب .. محضَ كذبةة علَى ورقةة مُنمّقة !
لم أجد أحدًا يكره فترة من طفولته كما أفعل !
اجتاحتني رغبة في إحراق كُل شيء يربطني بها .. وقد فعلتها مرة بإحراق رسائل في السطح الذي يفصله باب عن غرفتي !
كنتُ فتاة عابثة جدًا ، لا أباليْ بـ من حولي ممن يستفزّهم وجودي !
ولكني كنتُ كثيراً ما أُصلح بين زميلات متخاصمات ، ثم يقال أني من تسببتُ في ذاك الخصام وأنا لا شأن لي به البتّةة !
عجبتُ حقًا لـ هكذا تفكير أخرق ..
- سُحقًا -
أكملتُ عملَ التفتيش .. هناك علَى الزاوية حجرٌ منحوت وعطر شبه فارغ !
استنشقت رائحته قليلًا ثم تركته بسرعة .. وبدأت انفث وأمسح انفي لـ أزيل الرائحة !
وععع هي أقرب لـ رائحة اليَاسمين ..
ألقيته في سلة المهملات دون تفكير !
لا أعلم من أين ظهر !!
وفوقَ الحجر هناكَ قُصاصة بيضاء مطويّةة ، فتحتها .. شيء ما دبّت فيه الحياةة داخلي !
كمُّ هائل من الذكرياتِ الميّتة ..
كانَ مسطورًا بها :
[ إنّ تلك الحقيقةة التي تحاولينَ إنكارها ، سـ تباغتكِ يومًا لـ تسحقكِ وحُلمك الورديّ ! ]
بدونِ امضاء #
يبدو أنني من كتبها .. أو لقّنني إياها أحدهم !
فلا أذكر أني من تكتب هكذا !
ولكن تلك الحقيقةة .. قد ظهرتْ قبل عامٍ من الآن ، وبكيتُ تمزقًا بسببها !

كانت رفوف المكتبة تحمل الكثير .. الكثير مما آنفتُ ذكراه والحديث عنه !
شعرتُ بـ ثقل في خافقي ..
وأحسستُ بـ تعب في جسدي !
هل كل ذاك كان من أثر ما سترته تلك الرفوف .. !
أم ما أُعيد تحديث وجوده في ذاكرتي المتشنّجة !
تركتُ كل شيء .. ومضيتُ لـ أنامَ وأُريح جسدي ؛ وأتناسى أفكارًا جائرةة !
غفوتُ بسرعة .. أيّ انهاكٍ ذاك الذي تحاملَ علَى جسدي !
وفي منامي .. كنتُ في غُرفة أُخرى
أثاثٌ عتيقْ ، ودخانُ البخور يملأ المكان .
الضوء يدخل من نوافذ خشبية طويلةة ، مدببة من الأعلى !
وأنا علَى الزاوية أسند جسدي ، كنتُ أبكي بشدة حتى أحسستُ أني سـ يُغشى عليّ ..
أناسٌ يرتدونَ الأبيض .. وهناك شيخٌ كبير يقرأ دُعاءً !
ثوبٌ ملطخ بالدم .. يدٌ تمتدّ لي تناديني !
يدفعني الحنينُ أمامًا ويرميني الوَجَل بعيدًا !
هيَ .. بياض .. دماء .. شجرةة ياسَمين بجوار حَوض .. بُكاء .. تراكض !
وبدأتُ أهذي بصوتٍ مسموع والدمعُ ينسكبُ من عينيّ سجامًا :
أكره اليَاسمين .. أكرهه
هرعَت أختي إليّ وأنا لا زلتُ أتمتم وأبكي .. تناديني تُحاول إيقاظي :
بُروودْ ما بكِ ؟
لا ياسمينَ هُنا .. أعدكِ لن ترينه مجددًا !
بُروودْ .. استيقظي !
وأنا اسمعها وأعجز أن أُجيب ..
تحسستْ وجهي وصرخت : يا الله حرارتكِ مرتفعة !
تركتني بعد أن غطتني بالفراش وذهبت لـ تنادي أمي ..
كنتُ أرتعدُ بردًا وجزعًا من ذاك الكابوس !
جسدي ينخره الألم وينفضه بشدّة. 
أمي جاءت خائفة ، وضعت رأسي في حضنها .. ثم حاولت رفعي قليلًا كي أتناول الدواء !
وأعادتني وبدأت تمسح علَى وجهي وتتمتم بأشياء لم أعِ ما تكون ..
الدواء خدّرني وأجبرني علَى النوم مجددًا .. طويلًا جدًا !

.
# يُتبع ..
بعضُ الحرف يختنقُ حينمَا يحكي الذكرى !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق